Breaking News

الطريق من الارض الى السماء: الفصل الثاني

الطريق من الارض الى السماء: الفصل الثاني


الفصل الثاني:
وأخيرًا وقف الضابط وأقفل الكتاب وهو يقول: «لست أفهمك، ولكن أسهل أن نتفاهم في محكمة عليا من أن نتفاهم هنا في هذه المحكمة الدنيا».

وثابت إليه سكينة عقله فقعد إلى منضدته يكتب ترتيب المشهد، وشرط أن يُضْرَبَ جواده المسن بالرصاص، وأن من يطلق عليه النار يكافأ بكأس فضي، وجمع حساباته ودون ما له وما عليه، وأوصى بأثاثه وسائر أمتعته وأعطى معظمها لصبية صغيرة في القرية، وكانت هذه الصبية تحبه وتقضي الساعات الطوال في الجلوس في غرفته فأراد أن يكافئها، وقبل أن ينتهي من تسوية حساباته كانت الساعة ثمانية تقريبًا، فأدى واجباته الاعتيادية، وبعد ساعتين وجد نفسه حرًّا يمكنه أن يقضي سائر يومه الأخير كما يشاء، وكان قد قرر في نفسه أن يحتفل في هذا اليوم بعمل شيء غير عادي.

وخرج يمشي حتى انتهى إلى مقعد في حديقة وقعد يفكر، ثم قال لنفسه: «من المؤكد أني لا أشعر بالميل لنسج البساط اليوم، وعلى كل حال فإن هذا البساط لن يتم، فيجب إذن أن أركب العربة وأسير بها إلى أي مكان، هذا يومي الأخير، فليس من الرأي أن أقضيه في قرية لا يعرف أحد من سكانها ماضي حياتي».

 وهنا ت«. نبه ذهنه كأنما قد اشتغل بذكرياته القديمة، وقرَّ رأيه على أن يكون هذا اليوم حافلًا بالمسرات، وكان في أشد الاشتياق لأن يدخل في العالم ويشترك للمرة الأخيرة في مسراته، ولم يكن من الممكن أن يتمتع بها كلها، ولكنه قد يتمكن من التمتع ببعضها أحبها إلى نفسه وأحسنها.

وهبَّ من مقعده مسارعًا إلى جواده فقرنه إلى العربة ووضع عباءته خلفه، وكانت هذه العباءة قد خدمته طول حياته العسكرية الماضية، ولكنها لم تبل بعد، ثم ساق الجواد إلى تقاطع خمس طرق، ووقف لكي يقر قراره على نوع المتعة التي يريد أن يتمتع بها هذا اليوم، وهو آخر أيامه على الأرض، فإن هذه الطرق الخمس كانت كلٌّ منها تؤدي إلى شيء يحبه، فقد كانت الطريق الرأسية تؤدي إلى كارلستاد، ولو اتخذها لبلغها بعد ساعات قليلة، فقد كان يقيم فيها بعض أصدقائه، فلو ذهب إليها لجمعهم وقضوا يومًا معًا، ثم يلعبون الورق بعد ذلك، ولقد كان يفكر في الورق اللامع ويده ترتعش من الحماسة والفرح.

 أما إلى اليمين فكانت الطريق تؤدي إلى تروسناس حيث معسكر الجنود المشاة الذين يدربون هناك، وكان يعرف أنه إذا ذهب هناك فإن جميع الفرقة تقف أمامه صفوفًا وتحييه، وكان يخيل لنفسه الجنود الفتيان وهم في لباسهم الأزرق يبتسمون له، ويعرفون فيه الجندي القديم ذا الشهرة العظيمة، ثم تقرع الطبول ويرفرف علمهم القديم، ومرت ثانية شعَرَ الضابط برنكرتز فيها كأنه يرغب في اتخاذ هذه الطريق، ولكن عاد فتردد، فقد قامت في نفسه شهوة غامضة أجبرته علي يتخذ طريقًا أخرى.

وكان على يساره سكة قد قامت على جانبها الأشجار، وكانت تؤدي إلى قصر قديم تملكه سيدة عظيمة، كانت في شبابها من أجمل فتيات عصرها، وأجذبهن وأخفهن روحًا، وقد صارت في الشيخوخة كما صار هو فيها أيضًا، ولكنها كانت مع ذلك أصغر منه سنًّا ومهما بلغ عمرها فإن مثلها لا تفقد الجاذبية والفتنة، وكان يعرف أنه إذا زارها في ذلك اليوم على الرغم من الفراق الطويل، فإنها لن تبخل عليه بأن تجعل يومه الأخير يوم نعيم له، وخيل لنفسه كيف يجول معها في القصر من غرفة إلى أخرى كما كانا يفعلان أيام شبابهما، وكيف يحوطه البذخ والطرف فينسى أيام الوحدة والفقر التي عاشها.

 وكان أمامه أيضًا طريق يتجه إلى الشمال الغربي وتؤدي إلى مصانع الحديد في أكبى، وهي بلدة كان يحبها ويذكرها بأيام الهناء التي قضاها مع الخيالة في دار زوجة البكباشي، ولم يكن بالدار أحد الآن ولكنه شعر أنه إذا ذهب إليها فإن الأبواب تفتح له هو آخر رجال الخيالة الذي لم يمت بعد والذي يعد بمثابة آخر حلقة الاتصال بينه وبين ذلك العهد الذي قضوه جميعًا في أكبى عهد الفرح والغناء والرقص والمجازفات…

فتحول إلى هذه الطريق، وكان يعرف أنه إذا سار عليها فإنه لن يصل إلى ضيعة لوفن إلا عند الغروب، وكان صاحب هذه الضيعة رجل يدعى ليلجيرونا، وكان بارعًا في الضرب على الكمنجة، وكانت الضيعة في ذاتها حقيرة، ولكن جذبته إليها موسيقى صاحبها، وما هو أن فكر فيها حتى رأى أنه لا محيص له عن الذهاب إليها.

ودهش الضابط لاختياره هذه الطريق ولكنه لم يتردد هذه المرة، ووصل عند المساء إلى لوفن؛ حيث سُرَّ بلقائه ليلجيرونا، وحياه أجمل تحية ودعاه إلى النزول عنده، وقد بدا السرور عليه للقائه رجلًا يذكره بالذكريات القديمة في أكبى، وكان إذا طرب ذهب وأخذ كمنجته وأخذ يضرب، ولكن ليلجيرونا كان قد أسن فلم يكن عزفه على ما عهده منه قديمًا الضابط برنكرتز، فقد كان في نغماته شيء يوهم أن اليد تتردد، كأنه يحاول أن يبلغ أشياء لا تعبر عنها الألفاظ، وكان البعض يقول: إن عزفه قد انحط وقد سمع الملازم هذه الإشاعات قبلًا، ولكنه وهو يسمع له الآن شعر كأنه سيسمع منه لحنًا حلوًا جذابًا،



 بل وضح في ذهنه وهو يوشك أن يموت بعد ساعات أن ليلجيرونا يمهد له الطريق، وهي طريق لا غاية لها؛ إذ هي تؤدي إلى الفضاء، وبينما وهو يسمع الموسيقى تتحسس أنغامها طريقها في الظلام إلى ما وراء فكر الإنسان، وخياله شعر بوقعها في نفسه شديدًا حتى باح رب البيت بأن هذا اليوم هو آخر أيام حياته.

 فقال ليلجيرونا وهو في غاية الانفعال: «وهل هذا هو سبب مجيئك إليَّ اليوم؟». وقال برنكرتز وكأن عينيه تنظران من بعيد: «لم أجئ من أجلك وحدك، إنما جئت أيضًا لكي أسمع ضربك على الكمنجة، والآن أشعر إني لم أرغب إلا في هذا اليوم، ألست ترى في الموسيقى شيئًا غريبًا». فقال ليلجيرونا: إنك تقول حقًّا في الموسيقى أشياء غريبة.

فقال برنكرتز: أجل لعلها كذلك؛ لأنها لا تتعلق بهذا العالم، يا للعجب! كلما تأملت في الموسيقى لا نعرف علتها ولا نرى فيها شيئًا محسوسًا نفهمها منه، ألستَ تظن يا أخي أن الموسيقى هي اللغة التي يتفاهمون بها فوق». قال ذلك وأشار إلى السماء ثم استمر في حديثه قائلًا: ومع ذلك لا يصلنا نحن هنا على الأرض إلا الصدى الضعيف».

فقال ليلجيرونا: «تعني أن تقول …» ولكنه وقف هنا وشعر بعجزه عن التعبير عن أشياء لا تعبر عنها إلا نغمات الموسيقى. فقال برنكرتز: «أعني أن أقول: إن الموسيقى تخص السماء والأرض معًا. وربما كان القصد منها أن تكون طريقًا بينهما، والآن يجب أن تعزف وتمهد لي هذه الطريق لكي أسير عليها إلى الأبدية».

 وطفق ليلجيرونا يعزف بكل ما في نفسه وقلبه من قوة والضابط منصت في هدوء الليل، ثم تهافت فجأة ووقع على الأرض فقفز ليلجيرونا إليه ورفعه إلى الفراش فقال الضابط: «ما بي من بأس، إني أجوز الآن الطريق بين الأرض والسماء، أشكرك يا أخي». ولم ينطق بعدها بكلمة، وبعد ساعتين أسلم الروح. 

Aucun commentaire