في بلاد العجائب: الفصل الاول
(١) بِلادُ الْعجائِبِ تَبْدَأُ هذِهِ الْقِصَّةُ حِينَ كانَ هذا الْعالَمُ الَّذِي نعِيشُ فِيهِ — في أَوَّلِ نَشْأَتِهِ — طِفْلًا، فَقَدْ كانَتِ الدُّنْيا في ذلِكَ الْحِينِ — مُنْذُ آلَافٍ مِنَ السِّنينَ — فِي طُفُولتِها، أَعْنِي: أنَّها لَمْ تَكنْ آهِلةً (عامِرَةً) بِالسُّكَّانِ والْبُلْدانِ.
وَلَمْ يَكُنْ فِي الْعالَمِ كُلِّهِ — حِينَئذٍ — إِلَّا تِلْكَ الْبِلادُ الَّتي نَشَأَ فِيها بَطَلَا هذِهِ الْقِصَّةِ، فِيما يَقُولُ الْقَصَّاصُونَ، أَعْني: رُواةَ الْقِصَصِ الَّذِينَ يَحْكُونَها. وَقَدْ أَطْلَقَ الْقَصَّاصُونَ عَلَى تِلْكَ الْبُقْعَةِ الْبَعِيدَةِ مِنَ الْأرْضِ اسْمَ: بِلادِ الْعَجائِبِ، لِأَنَّ كُلَّ ما فِيها كانَ عَجِيبًا، لا يُصَدِّقُهُ الْعَقْلُ، كما تُحَدِّثُنا بِذلكَ الأساطِيرُ، وَالأخْبارُ الْخَيالِيَّةُ الْقَدِيمَةُ.
(٢) بَيْتُ «لافِظٍ» وَقَدْ حاوَلَ الْباحِثُونَ أَنْ يَتَعَرَّفُوا مكانَ هذِهِ البِلادِ — مِنَ الْكُرَةِ الأرْضِيَّةِ — لِيُعَرِّفُوكَ طَرِيقَها، وَلكِنَّهُمْ عَجَزُوا عَنْ الِاهْتِداءِ إِلَيْها، وَلَمْ يُوَفَّقُوا إِلَى مَكانِها. وَلَعَلَّ السَّبَبَ فِي ذلكَ هُوَ: تَقَادُمُ الْعَهْدِ (بُعْدُ الزَّمَنِ) عَلَى تِلكَ الْبِلادِ الْبَعِيدَةِ عَنْ سُكَّانِ الدُّنْيا.
عَلَى أَنَّ الْأُسْطُورَةَ تُخْبِرُنا: أن غُلامًا اسْمُهُ «لافِظٌ» قَدْ نَشَأَ فِي «بِلادِ الْعَجائِبِ» مِنْ غَيْرِ أُمٍّ وَلا أَبٍ، كما تَنْشَأُ الأطْفالُ جَمِيعًا فِي تِلكَ الْبِلادِ كلِّها. أَراكَ تَتَعَجَّبُ مِنْ ذلكَ أَيُّها الطِّفْلُ الْعَزِيزُ! فَلماذا؟ ألا تَذْكُرُ أَنَّني أُحَدِّثُكَ عَنْ بِلادِ الْعَجائِبِ؟ فَلا تَدْهَشْ مِمَّا تَقْرَؤُهُ، فَإِنَّ كلَّ ما فِي تِلكَ الْبِلادِ عَجيبٌ. وَلَوْلا ذلكَ لَما أَطْلَقَتْ عَلَيْها الأَساطِيرُ اسْمَ: «بِلاد العَجائِبِ».
وَكانَ «لافِظٌ» يَعِيشُ — بِمُفْرَدِهِ (وَحْدَهُ) — فِي بَلَدٍ مِنْ تِلكَ الْبِلادِ. ولَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ رَفِيقٍ (صاحِبٍ) يُؤْنِسُهُ وَيُسْلِيهِ. وَكانَ يَسْكُنُ — فِي طُفُولَتِهِ — بَيْتًا صَغِيرًا، لا يَعْرِفُ مَنْ بَناهُ لَهُ، ولكِنَّهُ وَجَدَ نَفْسَهُ فِيهِ — مُنْذُ نَشْأَتِهِ — فَاتَّخَذَهُ سَكَنًا لهُ وَمَأْوًى. (٣) الصُّنْدُوقُ الْمُقْفَلُ فَلَمَّا كَبِرَ الطِّفْلُ قَلِيلًا قَدِمَتْ عَلَيْهِ (جاءَتْ إِلَيْهِ) طِفْلَةٌ اسْمُها: «لاحِظةُ»، وُلِدَتْ فِي بَلَدٍ نَاءٍ (بَعِيدٍ) مِنْ بِلادِ العَجائِبِ، مِنْ غَيْرِ أُمٍّ ولا أَبٍ.
وَبَحَثَتْ «لاحِظَةُ» عَنْ بَيْتٍ تَأْوِي إِلَيْهِ (تَسْكُنُهُ)، حَتَّى اهْتَدَتْ إِلَى بَيْتِ «لافِظٍ» فَاتَّخَذَتْهُ لَها سَكَنًا. وَلَمَّا رَآها «لافِظٌ» ابْتَهَجَ لِمَقْدَمِها، وَهَشَّ لَها وَبَشَّ (ابْتَهَجَ)، وَاتَّخَذَها صَدِيقَةً لهُ — مُنْذُ ذلكَ الْيَوْمِ — وَتَقَاسَما ذلكَ الْبَيْتَ. وَلكِنَّ «لاحِظَةَ» لَمْ تَكَدْ تَسْتَقِرُّ فِي بَيْتِ «لافِظٍ» حتى اسْتَرْعَى بَصَرَها صُنْدُوقٌ مُقْفَلٌ.
فَسَأَلَتْ «لافِظًا» عَمَّا يَحْوِيهِ ذلكَ الصُّنْدُوقُ، فَقالَ لَها: «لَسْتُ أَعْرِفُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ هذا الصُّنْدُوقِ الْمُقْفَلِ، وَلا دِرايَةَ لِي بِما يَحْوِيهِ، وَمَبْلَغُ عِلْمي أَنَّ فِيهِ سَرًّا، لا يَنْبَغِي أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ أَحَدٌ.» فَقالَتْ «لاحِظَةُ»: «فَكَيْفَ وصَلَ إِلَيْكَ؟» فَقالَ لَها «لافِظٌ»: «وَهذا أيْضًا مِنَ الْأسْرارِ الَّتي لا يَنْبَغِي لِي (لا يَسْهُلُ عَلَيَّ) أَنْ أَبُوحَ بِها.» فَغَضِبَتْ «لاحِظَةُ» وَقالَتْ لِصَدِيقِها «لافِظٍ»: «تَبًّا لِهذا الصُّنْدُوقِ، (فَلْيُكْسَرْ وَيُحْطَمْ).
لَقَدْ عَافَتْهُ نَفْسِي (كَرِهَتْهُ). وَلَسْتُ أُطِيقُ رُؤْيَتَهُ — بَعْدَ الْيَوْمِ — ما دُمْتُ أَجْهلُ ما يَحْتَوِيهِ. وَما أجْدَرَكَ أَنْ تَقْذِفَ بِهِ خارِجَ الْبَيْتِ، حتَّى لا تقَعَ عَلَيْهِ عَيْنايَ بَعْدَ هذِهِ الْمَرَّةِ!»
وَهَلُمِّي (تَعالَيْ) نَلْعَبْ مَعَ أَصْدِقائِنا مِنَ الْأطْفالِ لِنُسَرِّيَ (لِنُذْهِبَ) عَنْ نَفْسَيْنا ما أَلَمَّ بِهِما مِنَ الْكَدَرِ، واتَّصلَ بِهِما مِنَ الْهَمِّ.» (٤) حَياةُ السُّعَداءِ كانَ «لافِظٌ» و« لاحِظَة» يَعِيشانِ فِي بِلادِ الْعَجائِبِ مُنْذ آلافِ السِّنِينَ.
وَكانَتِ الدُّنْيا —فِي ذلكَ الْعَصْرِ السَّحِيقِ، (الزَّمَنِ الْقَدِيمِ) —غَيْرَ دُنْيانا هذِهِ الَّتِي نَعِيشُ فِيها. وَكانَ الْعالَمُ كُلُّهُ —حِينَئِذٍ —لا يَعْرِفُ الشَّرَّ، ولا يَشْعُرُ ساكِنُوهُ بِالْألَمِ، ولا يُلِمُّ الْمَرَضُ بِهِمْ، (لا يُصِيبُهُم)، ولا يَتَعَرَّضُونَ لِأَيِّ خَطَرٍ كائنًا ما كانَ. وَلَمْ يَكُنِ الْأَطْفالُ —فِي ذلكَ العَصْرِ —يَحْتاجُون إلى آباءٍ وَأُمَّهاتٍ، لِلْعِنايَةِ بِأَمْرِهِمْ، وَتَحْذِيرِهِمُ الْأَخْطارَ، وَوِقَايَتِهِمُ الْأَمرِاضَ.
وَلَمْ تَكُنْ ثِيابُهُمْ فِي حاجَةٍ إِلَى مَنْ يُصْلِحُها. وكانَتِ الْأَرْضُ تُنْبِتُ أَشْهَى الثِّمارِ، وَأَطْيَبَ الْفواكِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَعَهَّدَها أَحَدٌ بِالْبَذْرِ، والْحَرْثِ، والسَّقْيِ، وما إِلى ذلكَ. وكانَتْ وَسائِلُ الْعَيْشِ كُلُّها مُمَهَّدَةً، وَطَرَائِقُ الْحَياةِ مُسْتَقِيِمَةً مُيَسَّرَةً (مُهيَّأَةً مُسَهَّلةً)، والدُّنْيا صافِيَةً لا كَدَرَ فِيها. وَلَمْ يَكُنِ الْأَطفالُ يَشْكُونَ شَيْئًا مِمَّا يَشْكُوهُ الناسُ فِي هذِهِ الأَيَّامِ.
وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ عَمَلٍ —يَشْغَلُهُمْ طُولَ يَوْمِهمْ —إِلَّا اللِّعِبُ، والْجَرْيُ، والْقَفْزُ، والْضَّحِكُ، وَالِاسْتِماعُ إِلى شَدْوِ الْحَمائِمِ (غِناءِ الْحَمامِ)، وأَغارِيِدِ الْبَلابِلِ، والابْتِهاجُ بِرَوائِعِ الطَّبِيعَةِ، والتَّأَمُّلُ في مَشاهِدِ الأَرْضِ والسَّماءِ الَّتِي تَمْلَأُ النُّفُوسَ بَهْجَةً وَانْشِراحًا. وَلَمْ يَكُنِ الأطفالُ —في ذلكَ الزَّمَنِ —يَعْرِفُونَ الْخِصامِ والمُشاجَرَةَ، ولا يَعْتَرِي نُفُوسَهُمُ الضَّجَرُ (لا يُصِيبُهُمُ القَلَقُ)، ولا يُدْرِكُوْنَ شَيْئًا مِنْ مَعَانِي الْجُبْنِ، والْكَذِبِ، والألَمِ، وما إِلى ذلكَ مِنَ الصِّفاتِ الْحقِيرَةِ، وَالنَّقائِصِ الْكَبِيرَةِ.
(٥) بَدْءُ الشَّرِّ وكانتْ «لاحِظةُ» —لِسُوءِ الْحَظِّ —أَوَّلَ طِفْلَةٍ عَرَفَتِ الْحُزْنَ في تِلْكَ الْبِلادِ. وكانَ مَقْدَمُ هذِهِ الطِّفْلةِ —الْغَرِيبَةِ عَنْ بِلادِها الْبَعِيدَةِ —مَصْدَرَ شقاءِ الْعالَمِ، وسبَبَ نَكَباتِهِ الَّتي نَشْكُو مِنْها إلى الآنَ. وكانَ أَوَّلَ ما أَحَسَّتْ بِهِ «لاحِظةُ» مِن الْألَمِ، حِرْمانُها رُؤْيَةَ ما يَحْوِيهِ ذلكَ الصُّنْدُوقُ الْمُغْلَقُ، وَحِرْصُها الشَّدِيدُ عَلَى تَعَرُّفِ ما فيهِ منْ أَسْرارٍ مَحْجُوبَةٍ (مَسْتُورةٍ).
وكان خَيْرًا لها —وللنَّاسِ كُلِّهمْ مِنْ بَعْدِها —أَنْ تَجْهَلَ ما يَنْطَوِي عَلَيْهِ ذلكَ الصُّنْدُوقُ مِنْ أَلْغازٍ وَخَفايا، وَأَنْ تَبْتَعِدَ عَمَّا يَجْلُبُهُ عَلَيْها مِنْ مَصَائِبَ وَرَزَايا، وأنْ تُرِيحَ بالَها، فَلا تَسْأَلَ عَنْ أَشْياءَ إنْ بَدَتْ لها ساءَتْها وَأَلْحَقَتْ بِها ضُرُوبَ الْبُؤْسِ والشَّقاءِ، وَإِنْ حُجِبَتْ عَنها نَفَعَتْها وأبْقَتْ لها ما تَمَتَعُ بِهِ مِنْ فُنُونِ الْبَهْجَةِ والْهَناءِ.
ولكِنَّ فُضُولَها (دُخُولها فِيما لا يَعْنِيها) قَدِ انْتَهَى بِها إِلى خَاتِمَةٍ مُحْزِنَةٍ مُفَزِّعَةٍ. وكانَ ذلكَ الْفُضُولُ بَدْءَ الشَّرِّ، وأصْلَ الْفَسادِ الَّذِي طغَى عَلَى عالَمِنا الْأَرْضيِّ، مُنْذُ ذلك الْحِينِ.

Aucun commentaire