Breaking News

في بلاد العجائب: الفصل الثاني

في بلاد العجائب: الفصل الثاني

(٦) حِوارُ
 «لافِظٍ» وَ« لاحِظَةَ» وَظَلَّتْ «لاحِظةُ» مَهْمُومَةً، مَشغُولةَ الْبالِ، لا يَهْدَأُ لها ثائرٌ (لا يَسْكُنُ ما يثُورُ في نَفْسِها مِن الْقَلَقِ)، ولا يَرْتاحُ لها خاطرٌ، أوْ ترَى (حتَّى تَرَى) ما يَحْوِيهِ الصُّنْدُوقُ الْمُغْلَقُ، وَتَتَعَرَّفَ اللُّغْزَ الْمُسْتَسِرَّ فِيهِ (تُدْرِكَ السِّرَّ الْخَفِيَّ الَّذِي يَحْوِيهِ). وَما زالَ الأَلَمُ يَتَجَسَّمُ وَيَعْظُمُ في نَفْسِها —يَومًا بَعْدَ يَوْمٍ —حتَّى انْتهى بِها إِلى حَسْرَةٍ.

 وتَبَدَّلَ سُرُورُها غَمًّا، وَأُنْسُها هَمًّا، وَأَصْبَحَ الْبَيْتُ أَقَلَّ إِشْراقًا وَبَهْجَةً مِنَ البُيُوتِ الأُخْرَى الَّتي يَقْطُنُها أطْفالُ الْمَدِينَةِ. وَظَلَّتْ «لاحِظةُ» تُسائِلُ صاحِبهَا «لافِظًا» مُسْتَفْسِرَةً مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ: «كَيْفَ جاءَكَ هذا الصُّنْدُوقُ؟ وماذا يَحْوِيهِ مِنْ ألْغازٍ وَأسْرارٍ؟» فَلا يُجِيبُها «لافِظٌ» بِشَيْءٍ.

وَمَرَّتْ عَلَى ذلكَ أيَّامٌ، وَهي لا تَكُفُّ (لا تَسْكتُ) عَنْ تَكرارِ هذَيْنِ السُّؤَالَيْنِ عَلى صاحِبِها «لافِظٍ» حتَّى ضَجِرَ بِإِلْحاحِها. وكانَ هذا أوَّلَ ضَجَرٍ شَعَرَ بِهِ أَوَّلُ طِفْلٍ مِنْ ساكِنِي تِلكَ الْبِلادِ. وقَدْ حاوَلَ صاحِبُها أنْ يُنْسِيَها أَمْرَ الصُّنْدُوقِ، ويُغْرِيهَا بِاللَّعِبِ معَ أَطْفالِ الْمَدِينَةِ، ولَكنَّها أصرَّتْ عَلى عِنادِها، وقالَتْ لهُ مُتَأَفِّفةً (مُتضَجِّرَةً): «لَقَدْ مَلِلْتُ اللَّعِبَ، وَسَئِمْتُ اللَّهْوَ، ولَنْ يَرْتاحَ بالِي حتَّى تُخْبِرَنِي بِما يَحْوِيهِ الصُّنْدُوقُ الْمُغْلَقُ.» وَثَمَّةَ (هُنا) أَحَسَّ «لافِظٌ» أَنَّ الضَّجَرَ قَدْ بَدَأَ يُساوِرُ نَفْسَهُ، أعْنِي: أَنَّهُ شَعَرَ أَنّ السَّآمَةَ بَدَأتْ تُلَاحِقُهُ وتغالِبُهُ، لإلْحاحِها وعِنادِها.

فَنَظَرَتْ إِلَيْه بِمُؤْخِرِ عَيْنِها، (طَرَفِ ناظِرِها)، وقالَتْ لهُ: «وماذا عَلَيْكَ إذا أَذِنتَ لِي بِفَتْحِ هذا الصُّنْدُوقِ، لَعَلَّنا نَتَعَرَّفُ ما يَحْجُبُهُ عَنْ أنْظارِنا مِنْ حَقائِق؟» فَقَطَّبَ «لافِظٌ» جَبِيْنَهُ حِينَ سَمِعَ مِنْ «لاحِظَةَ» هذا الْكلامَ الْجرِيءَ، وسِيءَ وَجْهُهُ (تَغَيَّرَ إلى حالٍ سَيِّئةٍ) مِنَ الرُّعْبِ والفَزَعِ.

 وقالَ لها مَدْهُوْشًا: «ماذا تقُولِينَ يا «لاحِظةُ»؟ أَتُرِيدينَ أَنْ أُخالِفَ النَّصِيحَةَ، ولا أُوَفِيَ بِالْعَهْدِ؟ كَيْفَ هذا؟ لقَدْ كُنْتُ واثِقًا مِنْ رَجاحَةِ عَقْلِكِ (عِظَمِهِ)، وَأَصالَةِ رَأْيِكِ (جَوْدَتِهِ)، فَكَيْفَ تُخْلِفِينَ ظَنِّي فِيكِ؟» (٧) «عُطارِدٌ» فَقَالَتْ لَهُ «لاحِظةُ»: «فَلا أَقَلَّ مِنْ أَنْ تُخْبِرَنِي: كَيْفَ عَثَرْتَ عَلَى هذا الصُّنْدُوقِ فِي بَيْتِكَ؟» فَقالَ لها «لافِظٌ»: «لَنْ أَضَنَّ (لَنْ أَبْخَلَ) عَلَيْكِ بِالإِجابَةِ عَنْ هذا السُّؤَالِ، فاعْلَمِي —يا عَزِيزَتِي —أَنَّ «مَلَكًا» (رُوحًا سَماوِيًّا) —مِنَ الْمَلائِكِ —قَدْ جاءَنِي بِهذا الصُّنْدُوقِ، وَوَضَعَهُ في بَيْتي، وَطَلَبَ مِنِّي أَلَّا أَفْتَحَهُ.

 وَكانَ في يَدِهِ عَصًا جَمِيلةُ الشَّكْلِ. وَهُوَ —كما رَأَيْتُهُ —مِثالٌ لِلْوداعَةِ واللُّطْفِ والذَّكاءِ. ولمْ يَسْتَطِعْ أنْ يَكْتُمَ ابْتِسَامَةً كانَ يُحَاوِلُ إِخْفاءَها حِينَ وَضَعَ الصُّنْدُوقَ عَلى الأَرْضِ. وَلَوْ رَأيْتِ هذا المَلَكَ لَدَهِشْتِ مِنْ جَناحَيْهِ الشَّافَّيْنِ (الرَّقِيقَيْنِ) الظَّرِيفيْنِ، وأُعْجِبْتِ بما فِيهما مِنَ الرِّيشِ الفاخِرِ، المُتَأَلِّقِ نُورًا.» فَقالتْ «لاحِظَةُ»: «وَكيْفَ كانَتْ عَصاهُ الَّتي يَحْمِلها؟» فَأَجابَها «لافِظٌ»: «كانَتْ أَغْرَبَ عَصًا رَأَيْتُها فِي حَياتِي.

 وَأنْتِ —إِذا رَأيْتِها —خُيِّلَ إِلَيْكِ أَنَّ ثُعْبانَيْنِ قَدِ الْتَفَّا، لِأَنَّ بَرَاعَةَ النَّقْشِ الَّذي عَلَيْها قَدْ فاقتْ كلَّ بَرَاعَةٍ، حَتَّى لَقَدْ حَسِبْتُ علَيْها ثُعْبانَيْن حَقًّا!» فَأَطْرَقَتْ «لاحِظَةُ» قَلِيلًا، ثُمَّ الْتَفَتَتْ إِلَى «لافِظٍ» قائِلَةً: «لَقَدْ عَرَفْتُ هذا المَلَكَ، فَهُوَ —بِلا شَكٍّ —«عُطارِدٌ». وَلَسْتُ أَشُكُّ فِي ذلِكَ، فَهُوَ الَّذِي جاءَ بي إِلى هذِهِ المَدِينَةِ، وأَدْخَلَنِي هذا الْبَيْتَ، وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ إِلَيَّ هذا الصُّنْدُوقَ —بِلا ريْبٍ —وَخَصَّنِي بِهِ وَحْدي.

 وَما أَشُكُّ فِي أَنَّهُ قَدْ مَلَأَهُ بِالتُّحَفِ (الأشْياءِ الثَّمينَةِ)، وَالَثِّيابِ الفاخِرَةِ لِي وَلَكَ.» فَقالَ لَها «لافِظٌ» وَقَدْ أَشاحَ (انْحَرَفَ وَانصَرَفَ) بِوَجْهِهِ عَنْها، مُتَأَلِّمًا: «رُبَّما كُنْتِ عَلَى حَقٍّ، فِيما تَظُنِّينَ وَلكِنَّنا —عَلَى كُلِّ حالٍ —لا يَحِقُّ لَنا أَنْ نَفْتَحَ الصُّنْدُوقَ، قَبْلَ أَنْ يَأْذَنَ لَنا «عُطَارِدٌ» فِي فَتْحهِ.»

(٨) سُخْطُ
«لاحِظةَ» ثُمَّ خَرَجَ «لافِظٌ» مِنَ الْبَيْتِ —بِمُفْرَدِهِ —وكانَتْ هذِهِ هِي المَرَّةَ الْأُولَى الَّتي خَرَجَ فِيها دُونَ أَنْ يَصْحَبَ «لاحِظَةَ». وَإِنَّما دَفَعَهُ إِلَى ذلِكَ أَنَّهُ سَئِمَ حِوارَها (مَلَّ حَدِيثَها)، وَضَجِرَ بِإِلْحاحِها، وَبَرِمَ (قَلِقَ) بِعِنادِها. وَكانَ يَتَمَنَّى لَوْ أُتِيحَتْ لَهُ فُرْصَةٌ يَلْقَى فِيها «عُطارِدًا» لِيَرُدَّ إِلَيْهِ أَمَانَتَهُ الَّتي ائْتَمَنَهُ عَلَيْها. وَيَوَدُّ لَوْ أَنَّ «عُطارِدًا» كانَ قَدْ وَضَعَ ذلِكَ الصُّنْدُوقَ فِي بَيْتِ أَيِّ طِفْلٍ آخَرَ.

 وَيَأْسَفُ لِأَنَّ ذلِكَ الصُّنْدُوقَ المشْئُومَ قَدْ أَثارَ فِي نَفْسِ «لاحِظَةَ» فُضُولَها، وَأزْعَجَ بالَها، وَكَدَّرَ صَفْوَها. أَمَّا «لاحِظَةُ» فَقَدِ اشْتَدَّ هَمُّها، وَتَعاظَمَها الْوَجْدُ (اشْتَدَّ عَلَيْها الْحُزْنُ) وَتَمَلَّكَها الفُضُولُ لِرُؤْيةِ ما يَحْوِيهِ الصُّنْدُوقُ. وَقَدْ لَعَنَتْهُ لِأنَّهُ كان سَبَبَ هَمِّها وَمَصْدَرَ أَلَمِها.

 أَجَلْ، لَقَدْ لَعَنَتِ الصُّنْدُوقَ أَلفَ لَعْنَةٍ لِأَنَّهُ أَثارَ حُزْنَها، فَوَصَفَتْهُ بِالْقُبْحِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَبِيحًا، فَقَدْ كانَ خَشَبُهُ بَدِيعًا، وَصَنْعَتُهُ دقيقَةً، وَسَطحُهُ مَصْقُولًا (ناعِمَ المَلْمَسِ) كالْمِرْآةِ: يَرَىَ النَّاظِرُ فيهِ وَجْهَهُ. وكانت جَوانِبُهُ مُوَشَّاةً (مُحلَّاةً) بالنقُوشِ الرَّائِعَةِ، الَّتي تُمَثِّلُ جَمْهَرَةً (جَمَاعَةً) مِنْ حِسانِ الأَطْفالِ والرِّجالِ والنَّساءِ، تَحُفُّهُم (تُحِيطُ بِهِم) الأَشْجارُ وَالأَزْهارُ والرَّيَاحِينُ مِن كُلِّ جانِبٍ.

(٩) آخِرَةُ الْفُضُولِ وَأَطالَتْ
 «لاحِظَةُ» تَأَمُّلَها وَتَفْكِيرَها فِي ذلِكَ الصُّنْدُوقِ، فَلَمْ تَرَ عَلَيْهِ قُفْلًا ولا رِتاجًا (شَيْئًا يُغْلِقُهُ). وَلكِنَّها أَبْصَرَتْ عُقْدَةً مُشْتَبِكَةً بِحَبْلٍ ذَهَبِيٍّ. وَلَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَتَعَرَّفَ مَبْدَأَ تِلْكَ الْعُقْدَةِ أوْ نِهايَتَها، فَزادها ذلِكَ شَوْقًا إِلَى إِنعامِ النَّظَرِ (إِطالَةِ الرُّؤْيَةِ)، وَإِمْعَانِ الفِكْرِ فِي أَمْرِها. وَأَمْسكَتْ بالعُقْدَةِ بَينَ إِبْهَامِها (وَهِيَ الإِصْبَعُ الكُبْرَى) وسَبَّابَتِها (وَهِيَ الإِصْبَعُ الَّتِي نُشِيرُ بِها وَهِيَ تَلِي الإِبْهامَ).

 وَقَدْ حاولتْ —جُهْدَها —أنْ تَهْتَدِيَ إِلى حَلِّ العُقْدَةِ، فَلَمْ تُفلِحْ. فَقالتْ، تُحَدِّثُ نَفْسَها: «لا شَكَّ أنَّني قادِرَةٌ عَلَى حَلِّ هذِهِ العُقْدَةِ، وَلكِنِّي أرَى مِنَ الْحِكْمَةِ والْحَزْمِ، أنْ أُرَجِئَ (أُؤَخِّرَ) فَتْحَها حتَّى يَحْضُرَ «لافظٌ»، وَإِنْ كُنْتُ عَلَى ثِقَةٍ مِنْ أَنَّهُ لَنْ يَأْذَنَ لِي فِي ذلكَ. فَهُوَ —فِيما أَعْلَمُ —عَنِيدٌ أَحْمَقُ (لا عَقْلَ لهُ).» وَقَدْ أَخْطأْتْ «لاحِظَةُ» حِينَ أَزْمَعَتْ (عَزَمَتْ) فَتَحَ الصُّنْدُوقَ. وكانَ أوْلَى بِها، وَأجْدَى عَلَيْها (أنْفَعَ لَها) أنْ تَعْدِلَ عَنْ هذِهِ الْفِكْرَةِ الْخاطِئةِ.

وَلكِنَّها كانتْ —عَلَى كُلِّ حالٍ —طِفْلَةً غَيْرَ مُجَرِّبةٍ، ولَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ أَنَّ إِقْدَامَها عَلَى مُخالفةِ النَّصِيحةِ سَيُورِثُها غَمًّا وَهَمًّا لا ينْتَهِيانِ. وَلَعلَّ كَثِيرًا مِنَ الأَطفالِ الحَمْقَى كانُوا يَفْعَلُونَ ما فَعَلَتْهُ «لاحِظَةُ» لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا مَكانَها. وما أَظُنُّهُمْ يَكونُونَ أَكْثَرَ عَقْلًا، وأوْفَرَ (أَكْثَرَ) حَزْمًا مِنْ تِلكَ الفَتاةِ الْحَمْقَاءِ.

 وَجُمَّاعُ الْقَوْل (خُلاصَةُ الكلامِ) أَنَّ «لاحِظَة» —فِي هذا اليَوْم —لَمْ تُطِقْ صَبْرًا عَلَى مُغالَبَةِ فُضُولِها. فانْتَهَى بِها الأَمْرُ إلى قرارٍ خَطِيرٍ: هُوَ اعْتِزَامُها أَنْ تَفتحَ الصُّنْدُوقَ، فيا لَها مِنْ حَمْقاءَ بلْهاءَ (نَاقِصَةِ الْعَقْل). 

Aucun commentaire