في بلاد العجائب: الفصل الخامس الاخير
في بلاد العجائب: الفصل الخامس
الاخير
وَكانَ صَوْتُ ذلِكَ الهاتِفِ حُلْوًا، ونَبَراتُهُ جَذَّابَةً. وَكانَ قَلْبُ «لاحِظَةَ» يَرِقُّ لَهُ (يَعْطِفُ عَلَيْهِ)، وَيَرْتاحُ إلى سَماعِ حَدِيثِهِ. فَالْتَفَتَتْ إلى «لافِظٍ» تَسْأَلُهُ: «أَسَمِعْتَ يَا «لافِظُ» صَوْتَ هذا الْهاتِفِ الصَّغِيرِ؟» فَأَجابَها مُغْضَبًا عابِسًا: «سَمِعْتُ كلَّ شَيْءٍ، فَماذا تُرِيدينَ؟» فَقالَتْ لَهُ: «أَتَرَى أَنْ أَرْفَعَ الْغِطاءَ؟» فَقالَ لَها يائِسًا مَحْزُونًا: «افْعَليِ ما بَدا لَكِ، فَلَنْ تَزِيدِي الْمَصائِبَ إِلَّا واحِدةً، وَلَنْ يَضُرَّ النَّاسَ —بَعْدَ ذلكَ —أَنْ يُضافَ هَمٌّ واحِدٌ إِلى ما لَحِقَهُمْ بِسَبَبكِ مِنَ الْهُمُومِ الَّتِي لا تُحْصَى.»
فَقالَتْ لَهُ، وهِيَ تُجَفِّفُ دَمْعَها: «شَدَّ ما تَقْسُو عَلَيَّ فِي خطابِكَ يا «لافِظُ»!» فَصاحَ الْهاتِفُ الصَّغِيرُ: «يا لهُ مِنْ غُلامٍ ماكِرٍ، إِنهُ لَيَعْلَمُ —عِلْمَ الْيَقِينِ —أَنهُ سَيَبْتَهِجُ لِرُؤْيَتِي، ويَفْرَحُ بِي أَشَدَّ الْفَرَحِ. فَما بالُهُ يَتظاهَرُ بِأَنهُ زاهِدٌ فِي لِقائِي؟ هَلُمِّي يا «لاحِظةُ» فَاكْشفِي عنِّي غطاءَ الصُّنْدُوقِ، لِأَنْشَقَ الْهَواءَ الطَّلقَ، وَلَنْ تَرَيْ مِنِّي إلَّا ما يَسُرُّكِ، وَيَبْهَجُ نَفْسَكِ الْمَحْزُونةَ.»
فَقالَتْ «لاحِظةُ»: «لا بُدَّ لي منْ فَتْحِ الصُّنْدُوقِ مَرَّةً أُخْرى.» فَأَسْرَعَ إِلَيْها «لافِظٌ» وَهُوَ يَقُولُ: «وَإنِّي لَمُعاوِنُكِ في رَفْعِ غِطائهِ الثَّقيلِ.»
(١٨) ابْتِسامَةُ الْأمَلِ
ثُمَّ تَعَاوَنَ الصَّغِيرانِ عَلَى فَتْحِ الصُّنْدُوقِ، وما كادا يَفْعَلانِ، حَتى طار مِنْهُ شَخْصٌ صَغِيرٌ، تبْدُو عَلَى فَمِهِ ابْتِسامَةٌ عَذْبةٌ، وَيُشِعُّ (يُضيءُ) مِنْ وَجْهِهِ السُّرُورُ والْبَهْجَةُ فِي جَمِيعِ ما حَوْلَهُ، وَظَلَّ يَطِيرُ في أرْجاءِ الْغُرْفةِ (نواحِيها)، وَيُشِعُّ نورُهُ في كلِّ مَكانٍ يَمُرُّ فِيهِ، كَما تَعْكِسُ الْمِرْآةُ أَشِعَّةَ الشَّمْسِ، فَتُبَدِّدُ الْحُلْكَةَ (تُذْهِبُ الظُّلْمَةَ)، ثُمَّ طارَ صَوْبَ «لافِظٍ» (جِهَتَهُ) وَلَمَسَ مَكانَ الْألَمِ الَّذِي أصابهُ اللَّدْغُ، فَزالَ ألَمُهُ فِي الحالِ.
ثمَّ قَبَّلَ «لاحظَةَ» فِي جَبِينِها، فَزَالَ عَنْ نَفْسِها ما ألَمَّ بِها منَ الْحُزْنِ والأسَى. ثمَّ طار فَوْقَ رَأْسَيْهِما، وَظَلَّ يَنْظُرُ إِلَيْهِما مُتَلَطِّفًا باسِمًا، حَتَّى انْسَرى (انْكَشَفَ وَزالَ) عَنْ نَفْسَيْهما كلُّ ما لَحِقَهُما مِنَ الْكَدَرِ والْأَلَمِ، وَعَزَّاهُما عمَّا أصابهُما مِن الْأَذَى، وَجَعَلهُما يَحْمَدانِ ما فَعَلاهُ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيةِ، بَعْدَ أَنْ حَزِنا لِما فَعَلاهُ في الْمَرَّةِ الْأُولى.
وَرَأيا أَنَّهُما أَحْسَنا صُنْعًا، إِذْ أطْلَقا هذا السَّجينَ الْكرِيمَ، وأَنْقَذاهُ مِمَّا كانَ يُعانِيهِ في ذلِكَ الصُّنْدُوقِ مِنْ أَذَى أُولئِكَ الرِّفاقِ الْأشْرارِ. ثُمَّ قالَتْ «لاحِظَةُ»: «خَبِّرْني: مَنْ أَنْتَ أَيُّها الطَّائِفُ (الْخَيالُ الطَّائرُ) الْجميلُ؟» فَقالَ لها، والنُّورُ يُشِعُّ مِنْ وَجْهِهِ فِيْ جَمِيعِ الْأَرْجاءِ: «إِنَّهُمْ يُسَمُّونَنِي: الْأَمَلَ.
وَقَدْ سَجَنُونِي فِي هذا الصُّنْدُوقِ لِأُعَوِّضَ على التُّعساءِ وَالْمَحْزُونِين كلَّ ما يُلِمُّ بِهِمْ (ما يُصِيبُهُمْ) مِنْ ضُرُوبِ الْهَمِّ والْأَذَى؛ فَلا تَخْشَيا بَعْدَ الْيَوْمِ شَيْئًا، فَإِنِّي كَفيلٌ بِتَبْدِيدِ آلامِكُما، والقَضاءِ عَلَى كُلِّ ما تَشْعُرانِ بِهِ مِنَ الْهُمُومِ.»
(١٩) حَديثُ الْأَمَلِ
فَقالَتْ «لاحِظَةُ»: «ما أَجْمَلَ جَناحيْكَ، وَما أشْبَهَ لَوْنَهُما بِقَوْسِ قُزَحَ!» فابْتَسَمَ لَها الْأمَلُ قائِلًا: «صَدَقْتِ يا «لاحِظَةُ» فإِنِّي أَشْبَهُ شَيْءٍ بِقَوْسِ قُزَحَ الَّذِي يَظْهَرُ فِي السَّماءِ بَعْدَ الْمَطَرِ فَيَجْمَعُ بَيْنَ مُخْتَلِفِ الْألْوَانِ، وَيُؤَلِّفُ بَيْنَ أَشْتاتِها. وَإِنَّما كُنْتُ كَذلِكِ، لِأنَّني خُلِقْتُ مِنَ الدُّمُوعِ، كما خُلِقْتُ مِنَ الاِبْتِساماتِ.
فَأَنا وَلَدُ الدَّمْعِ وَابْنُ الابْتِسامَةِ كِلَيْهما.» فَقالَ لَهُ «لافِظٌ»: «لَعَلَّكَ بَاقٍ مَعَنا، وَمُصاحِبُنا طولَ الْحَياةِ؟» فَابْتَسَمَ لَهُ الأمَلُ ابْتِسامَةً لَطَيفَةً عَذْبَةً، وَهُوَ يَقُولُ: «إِنِّي رَفِيقُكما وَمُصاحِبُكما، كُلَّما دَعَوْتُماني إلَيْكما. ولَنْ أَتَأَخَّرَ عَنْ إِسعَادِكما وَإِبْهاج نَفْسَيْكما طُولَ الْحَياةِ. وَرُبَّما مرَّتْ بِكما أوْقاتٌ مُضْجِرَةٌ، تُخَيِّلُ إلَيْكما أنَّني قَدِ اسْتَخْفَيْتُ عَنْكما، وتَرَكْتُكُما إلى غَيْرِ عَوْدَة.
ولكِنَّكُما لَنْ تَلْبَثا أن تَرَيَا جَناحَيَّ يُرَفْرِفانِ عَلَى سقْفِ بَيْتِكُما، فَيُبَدِّدَ نُورُهُما كُل ما فِي قَلْبَيْكُما مَنْ هَمٍّ وَحَزَنٍ، وَسَأَحْمِلُ إلَيْكُما هَدِيَّةً نَفِيسَةً أُقَدِّمُها إِلَيْكُما بَعْدَ زَمَنٍ قَلِيلٍ!» فصاحا يَسْأَلانِهِ في صوْتٍ واحِدٍ: «بِرَبِّكَ خَبِّرْنا: أَيَّ هَدِيَّةٍ أَعْدَدَتَ لَنا؟» فَوَضَعَ الأملُ إِصْبَعَهُ عَلَى فَمِهِ الأُرْجُوانيِّ (الْأحْمَرِ)، ثُمَّ هَمَسَ قائِلًا: «لا تَسْأَلانِي عَمَّا أعْدَدْتُ لَكُما مِنْ خَيْرٍ. وَلكِنِ اسْتَمِعا إِلَى نَصِيحتِي الآنَ، فَإِنَّ فِيها السَّعادَةَ والنَّجاحَ كِلَيْهِما.»
فَأَرْهَفا آذانَهُما، وَاسْتَمَعا لِنَصِيحَةِ الْأملِ. فاسْتَأْنَفَ الْأمَلُ قائِلًا: «لا تَيْأَسا أيُّها الصَّدِيقانِ، ولا يَتَسَرَّبِ الْقُنُوطُ فِي قَلْبَيْكُما أبَدَ الدَّهْرِ (لا يَدْخُلُ الْيَأْسُ فِي نَفْسَيْكُما، وَلا يَنْقَطِعْ رَجاؤُكما طُولَ عُمرَيْكما). ولا تَضْجَرا بِشَيْءٍ فِي الحَياةِ، فَإِنَّ مَع العُسْرِ يُسْرًا، وَإِنَّ مَع الضِّيقِ فَرَجًا، وإِنَّ مَع الألَمِ أَمَلًا.
وَلئِن فاتَكُما شَيْءٌ في هذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا، إِنَّكُما لظافِرَانِ بِخَيْرٍ مِنْهُ وأبْقَى، في الْحَياةِ الآخِرَةِ. احْفَظا عَنِّي هذِهِ النَّصِيحَةَ، وَاسْتَمْسِكا بِها طُولَ الْحَياةِ، وكُونا عَلَى ثِقَةٍ أَنَّنِي لا أَقُولُ لَكُما غَيْرَ الْحَقِّ.» فَقال «لافِظٌ»: «لَسْنا نَرْتابُ (لا نَشُكُّ) فِي شَيْءٍ مِمَّا تَقُولُ.»
(٢٠) خاتِمَةُ الْقِصَّةِ
وقَدْ صَدَقَهُما الأمَلُ وعْدَهُ، كما صَدَقَ كُلَّ حَيٍّ مِنَ الأحْياءِ بَعْدَهما.ولا يَزالُ الْأمَلُ: يُبَدّدُ آلامَنا وأَحزَانَنا إِلى الْيَومِ، ويَبْعَثُ فِينا مِنْ رُوحِ الْإقدامِ والْعَزْمِ (الشَّجاعَةِ والْقُوَّةِ) ما يَدْفَعُنا إِلى النَّجاحِ، ويُبَلِّغُنا غاياتِ الْعَظائِمِ (الْأُمُورِ العَظِيمَةِ)، ويُجَدِّدُ قُوانا، ويُقَوِّي عَزائِمَنا.
ولَوْلا فُسْحَةُ الْأمَلِ لضاقَتْ بِنا الدُّنْيا، واسْتَوْلَى الْيَأْسُ والْهَمُّ عَلَى قُلُوبِنا، ولكِنَّ ابْتِسامَةَ الْأمَلِ، هِيَ —وحْدَها —الَّتِي تُنِيرُ لنا طرِيقَنا فِي الْحياة
النهاية

Aucun commentaire