Breaking News

في بلاد العجائب: الفصل الرابع

في بلاد العجائب: الفصل الرابع


وَالآنَ لِنَنْظُرْ إِلَى ما فَعلاهُ: لَقَدْ هَمَّتْ «لاحِظَةُ» بِرَفْعِ غِطاءِ الصُّنْدُوقِ. وَلَمْ تَكَدْ تَفْعَلُ، حتَّى تَكَاثَفَ الغَيْمُ، وَتَلَبَّدَتِ السُّحُبُ، فَحَجَبَتْ نُورَ الشَّمْسِ وخَيَّمَ الظَّلامُ عَلَى الدُّنْيا، حتَّى خُيِّلَ إِلَيْها أنَّها أصْبحَتْ فِي مِثلِ ظَلامِ القَبْرِ.

 وما رَفَعَتِ الغِطاءَ عَنِ الصُّنْدُوقِ، حَتَّى أَبْصَرَتْ جَمْهَرَةً مِنَ الحَشَراتِ المُجَنَّحَةِ (ذَواتِ الْأجْنِحَةِ) تَخْرُجُ طائرَةً مِنَ الصُّنْدُوقِ، ثُمَّ سَمِعَتْ صُراخَ «لافِظٍ» وهُوَ يُوَلْوِلُ (يَبْكِي) قائِلًا: «آهِ. ويْلاهُ! لَقَدْ لُدِغْتُ! لُدِغْتُ! ألَا ساءَ ما فَعَلْتِ يا «لاحِظَةُ»! وقَبُحَ ما صَنَعْتِ أَيَّتُها الشِّرِّيرَةُ الخَبِيثَةُ.

وما لَنا ولِهذا الصُّنْدُوقِ المَلعُونِ؟» وارْتاعَتْ «لاحِظَةُ» (فَزِعَتْ) وَتَمَلَّكَها الذُّعْرُ (اسْتَوْلَى عَلَيْها الخَوْفُ)، فَهَوَى الغطاءُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْها، وَأُقْفِلَ الصُّنْدُوقُ كما كانَ. وتَكاثَفَ الظَّلامُ فِي الغُرْفَة، حَتَّى عَجَزَ «لافظ» و« لاحِظةُ» عَنْ رُؤْيَةِ ما فِيها بِوُضُوحٍ. وَلكِنَّ «لاحِظَةَ» سَمِعَتْ طَنِينًا مُزْعِجًا، ثُمَّ أَبْصَرَتْ —بَعْدَ قَليلٍ —أشْباحًا (أشْكالًا) مُفَزِّعَةً ذاتَ أَجْنِحَةٍ، وَهِيَ أَشْبَهُ شَيْءٍ بِالْخَفَافِيشِ (الوَطاوِيطِ)، وَلَها إِبَرٌ طَوِيلَةٌ في أَذنابِها.

وكانَتْ إِحْدَى هذِهِ الحَشَراتَ هِيَ الَّتِي لَدَغَتْ «لافِظًا». وَلَمْ تَلْبَثْ «لاحِظَةُ» أَنْ صاحَتْ مِنْ شِدَّةِ الأَلَمِ، وفَرْطِ الرُّعْبِ، لِأَنَّ حشَرَةً مِنْ تِلكَ الحَشَراتِ المُفَزِّعَةِ وقَعَتْ عَلَى وَجْهِها، وكادَتْ تَلدَغُها، لَوْلا أَنَّ «لافِظًا» أَسْرَعَ فَطَرَدَها وهِيَ تَهُمُّ بِلَسْعِ جَبِينِها.

(١٥) أُسْرَةُ الشَّرِّ 
أراكَ تَسْأَلُني —أَيُّها الطِّفلُ العَزِيزُ —أَيُّ حَشَراتٍ هذِهِ الحَشَرات الَّتي كانَ يَحْوِيها الصُّنْدُوقُ؟ فاعْلَمْ —حَفِظَكَ اللهُ —أنَّ هذِهِ الحَشراتِ الَّتي تَصِفُها لَكَ الأُسْطُورَةُ هِيَ أُسْرَةُ الشَّقاءِ. وَقَدْ حَلَّتْ أُسْرَةُ الشَّرِّ وَالأذَى فِي عالَمِنا الأَرْضِيِّ، مُنْذُ ذلِكَ اليَوْمِ.

 وهذِهِ الأُسْرَةُ تُمَثِّلُ النَّزَعاتِ (المَطالِبَ) الخَبِيثَةَ، والأَهْواءَ الجَامِحَةَ (الرَّغَباتِ غَيْرَ المَعْقُولَةِ)، كما تُمَثِّلُ الهُمُومَ المُزْعِجَةَ، والأَحْزانَ المُضْنِيَةَ (المُضْعِفَةَ)، والأمْراضَ الفَتَّاكَةَ الَّتي لا تُعَدُّ ولا تُحْصى، وما إِلَى ذلِكَ مِنَ الرَّزايا والمَصائِبِ والْمِحَنِ الَّتي يَشْكُو مِنْها العالَمُ، ويُعانِي شُرُورَها إِلى اليوْمِ.

وَقَدْ أوْدَعَ «عُطارِدٌ» في ذلِكَ الصُّنْدُوقِ كُلَّ هذِهِ الجَراثيمِ المُؤْذِيَةِ، وَأَغْلَقَ بابَ الصُّنْدُوقِ عَلَيْها، حتَّى لا تُؤذِيَ أحدًا مِنَ الأطفالِ السُّعَداءِ الَّذِينَ في العالَمِ. وَلَوْ حَرَصَ «لافِظٌ» و« لاحِظةُ» عَلَى حِراسَةِ الصُّنْدُوقِ، واحْتفَظا بِتِلْكَ الْأَمانَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْبَثَا بها، لَما أَصابَ الْعالَمَ شَرٌّ، وَلا لَحِقَهُ أذًى، ولَما تَأَلَّمَ رَجُلٌ، وَلا بَكَى طِفْلٌ إِلى الْيَوْمِ.

وَلكِنْ هكَذا حكَمَ الْقَضاءُ، فَكانَتْ حَماقَةُ «لاحِظةَ» وَسُكُوتُ «لافِظٍ» عَلى عَمَلِها مَصْدَرَ شَقاءُ الْعالَمِ بِأَسْرِهِ. فَلَوْلا أنَّ الْفُضُولَ دَفَعَ «لاحِظةَ» إلى فَتْحِ الصُّنْدُوقِ الْمُغْلَقِ، وَلَوْلا أنَّ «لافِظًا» تَراخَى في زَجْرِها عَمَّا هَمَّتْ بِهِ، لَما حَلَّتِ النَّكَباتُ بِهذا الْعالَمِ، طُولَ الدَّهْرِ.

(١٦) تَفَاقُمُ الأَذَى
وَلَمْ يُطِقِ الطِّفْلانِ صَبْرًا عَلى البَقاءِ بَيْنَ الْحَشَراتِ الْمُؤْذِيَةِ، فَأَسْرَعا بِفَتْحِ الأبْوابِ والنَّوافِذِ، لِيَطْرُداها خارِجَ الدَّارِ، وَيَتَخَلَّصا مِنْ شَرِّها وَأَذاها. فَتفاقَمَ الشَّرُّ، وَعَمَّ الأَذَى، وانْتَشَرَتْ تِلكَ الْحَشَراتُ الْخَبِيثة في أنْحاءِ الْمَدِينَةِ، فَبَدَّلتْ أفْراحَ الأطْفالِ أتْراحًا (آلامًا)، وَسُرُورَهُمْ حُزْنًا، وَصِحَّتَهُمْ مَرَضًا، وَأمْنَهُمْ رُعْبًا.

 وَلَمْ تَسْلَمْ أزْهارُ الْعالَمِ مِنَ الْغَمِّ والأذى، فانْحَنَتْ —مِنْ فَرْطِ الأسَى (مِنْ شِدَّةِ الْحُزْنِ) —يَوْمَيْنِ كامِلَيْنِ، وَفَقَدَتْ نَضْرَتَها (جَمالَها) وَعِطْرَها. ثُمَّ كَبِرَ الأَطْفالُ وَشابُوا مِنَ الْهَمِّ والْحُزْنِ —وكانوا قَبْلَ ذلكَ لا يَكْبَرُونَ ولا يَهْرَمُونَ —وصارَ الشُّبَّانُ والْفَتياتُ والرِّجالُ والنِّساءُ والْكُهُولُ يُعَانُونَ مِنْ ضُرُوبِ الآلَامِ والْمَصائِبِ ما يُعانُونَ.

أمَّا الأذى والشَّرُّ اللَّذان أصابا «لافِظًا» و« لاحِظةَ» فَقَدْ فاقا كُلَّ أذًى وشَرٍّ. وَقَدْ حَلَّ الْخِصامُ بَيْنَهُما مَحَلَّ الصَّفْوِ والْوِئامِ، ودبَّتِ الْعَدَاوَةُ بَيْنَ النَّاسِ جَميعًا. وجلَس «لافِظٌ» في رُكْنٍ مُظْلِمٍ مِنْ أَرْكانِ الْغُرْفَةِ، وأَدارَ ظَهْرَهُ إِلى «لاحِظةَ» وشَرَدَ ذِهْنُهُ (ذَهَبَ فَهْمُهُ)، وأغْرَقَتْهُ الأحْزانُ.
وارْتَمَتْ «لاحِظةُ» عَلَى الأرْضِ، وأَسْنَدَتْ رَأْسَها إلى الصُّنْدُوقِ الْمَشْئُومِ، واسْتَسْلَمَتْ لِلْبُكاءِ والْعَوِيلِ، وَقَدْ كادَ قَلْبُها يَتَمَزَّقُ حُزْنًا وأَسًى.

(١٧) هاتِفُ الصُّنْدُوقِ 
وإنَّها لَكذلكَ، إِذْ سَمِعَتْ صَوْتًا خافِتًا يَنْبَعِثُ مِنْ جَوْفِ الصُّنْدُوقِ، فَرَفَعتْ رَأْسَها مُرْتَاعَةً، وقالتْ مَدْهُوشَةً: «تُرَى أَيُّ صَوْتِ هذا؟» ثُمَّ عاوَدَها الْفُضُولُ —مَرَّةً أُخْرَى —فَصاحَتْ قائِلةً: «مَنْ أنْتَ أيُّها الْهاتِفُ (الصائِحُ الَّذِي أَسْمَعُ صَوْتَهُ وَلا أرَى شَخْصَه)؟ مَنْ أَنْتَ أيُّها الَّذِي يُنادِيني مِنْ جَوْفِ هذا الصُّنْدُوقِ الْمَشْئُومِ؟» فانْبَعَثَ صَوْتٌ لَطِيفٌ مِنْ جَوْفِ الصُّنْدُوقِ، يَقُولُ لها في أُسْلُوبٍ عَذْبٍ، وَلَهْجَةٍ مُشْفِقَةٍ (لِسانٍ ناطِقٍ بِالْعَطْفِ والْحَنانِ): «اكْشِفِي عَنِّي غِطاءَ الصُّنْدُوقِ، فَلَنْ تَرَيْ مِنِّي إِلَّا ما يَسُرُّكِ.»

فَبَكتْ «لاحِظةُ» وقالتْ لِذلكَ الْهاتِفِ: «كَلَّا! كَلَّا! لا سَبِيلَ إلى ذلكَ، وَحَسْبِي ما أُكابِدُهُ (ما أُقاسِيهِ) مِنْ جَرَّاءِ فَتْحِ الصُّنْدُوقِ (بِسَبَبِهِ)، وَما أُعانيهِ مِنَ الآلَامِ والمَصائِبِ مِنْ أَجْلِ هذا الْخَطَإِ الشَّنِيع، فالْبَثْ حَيْثُ أنتَ في مَكانِكَ مِنَ الصُّنْدُوقِ، وحَسْبُ الْعالَمِ (كفاهُ) ما يَلْقاهُ مِنْ أذَى رِفاقِكَ (أَصْحابِكَ) وَإِخْوَتِكَ، مِنَ الْحَشَرات الْخَبِيثَةِ، الَّتي مَلَأَتِ الدُّنْيا، وَطَبَّقَتِ الآفاقَ (عَمَّتِ النَّواحِيَ)، وَمَلَأَتِ الْجهاتِ.»

وَالْتَفَتَتْ «لاحِظةُ» إلى صاحِبِها «لافِظٍ» لِتَرَى رَأْيَهُ فِيما قالتْهُ، لَعَلَّهُ يَشْكُرُها على تَعَقُّلِها فِيما فاهَتْ (نطقَتْ) بِهِ هذِهِ المرَّةَ، وتَسْأَلَهُ أنْ يُشِيرَ عَلَيْها بِما تَفْعَلُهُ ولكِنَّهُ اكْتَفى بِأَنْ قالَ لَها غاضِبًا: «لقدْ ضاعتْ مِنَّا الفُرْصَةُ، ومَضى زَمَنُ التَّعَقُّل.» ثُمَّ عادَ صوْتُ الهاتِفِ يَقُولُ: «شَدَّ ما تُحْسِنينَ صُنْعًا (ما أجْمَلَ ما تَصْنَعِينَ) إذا كَشَفْتِ عنِّي غِطاءَ الصُّنْدُوقِ. فَإِنَّني لَسْتُ مُؤْذِيًا كَتِلْكِ الْحَشَراتِ الَّتِي رَأَيْتِها مِنْ قَبْلُ.

 وَما هِيَ إِخْوَتِي كما تَظُنِّينَ. فَلا عَليْكِ (لا خَوْفَ عَلَيْكِ) —أَيَّتها الْعَزِيزةُ —وكُونِي واثِقَةً مِنْ أَنَّكِ سَتَحْمَدِينَ لِي آثارِي، (أعْمالِي)، حِينَ أَظْهَرُ أمامَكِ.» 

Aucun commentaire