Breaking News

في بلاد العجائب: الفصل الثالث

في بلاد العجائب: الفصل الثالث


(١٠) حَلُّ الْعُقْدَةِ اقْتَرَبتْ
 «لاحِظَةُ» مِنَ الصُّنْدُوقِ، وَقَدْ أَجْمَعَتْ (عَزَمْتَ) عَلَى فَتْحِه. وَحاولَتْ أَنْ تَرْفَعَهُ بِيَدَيْها عَنِ الأَرْضِ، فَوَجَدَتْهُ ثَقِيلًا جِدًّا، لِأنَّها كانَتْ —كما حَدَّثْتُكُمْ —طِفْلَةً، وَلَمْ يَكنْ لَها قُدْرَةٌ عَلَى حَمْلِ الصُّنْدُوقِ، ولَيْسَ لَها طاقة (قُوَّةٌ) عَلَى رَفْعِه.

 فَأَفْرَغَتْ قُصارَى جُهْدِها (بَذَلَتْ كلَّ ما في قُدْرَتِها) فِي زَحْزَحَةِ الصُّنْدُوقِ عَنْ مَكانهِ، وَاسْتَطاعَتْ —بِكَدٍّ وَاسْتِكْرَاهٍ —أَنْ تَرْفَعَ أَحَدَ أَطْرافِهِ عَنِ الأَرْضِ قَلِيلًا ثُمَّ خَانَتْها قُواها، فَسَقَطَ الصُّنْدُوقُ، وَأَحْدَثَ سُقُوطُهُ دَوِيًّا هائِلًا مُفَزِّعًا، خُيِّلَ إِلَيْها أَنَّها تَسْمَعُ شَيْئًا يَتَحَرَّكُ داخِلَهُ، فَأَرْهَفَتْ أُذُنَيْها وأَصْغَتْ، وَإِذا بِصَوْتٍ خافِتٍ أَشْبَهَ بِالطَّنِين، فَاشْتَدتْ رَغْبَتُها في تَعَرُّفِ مَصْدَرِ هذا الصَّوْتِ الخَافِتِ.

ثُمَّ رَفَعَتْ رَأْسَها، فَلاحَتْ منْها الْتِفاتةٌ إِلَى الْعُقْدَةِ الَّتِي يَنْتَهي بِها ذلكَ الْحَبْلُ الذَّهَبِيُّ، فَبَحَثَتْ —جاهِدَةً —عن طَرَفَيْها، وَظَلَّتْ تَعْبَثُ بِها، وَهِيَ تُحاوِلُ إِمْكانَها لَعَلَّها تَسْتَطِيعُ أَنْ تَحُلَّ الْعُقْدَةَ، حتَّى وصَلَتْ إِلَى ذلكَ. كيف اهْتَدتْ إِلى حَلِّ الْعُقْدَةِ؟ ذلك ما لَمْ تُحَدِّثنا بِهِ الأُسْطُورَةُ.

(١١) تَرَدُّدُ
 «لاحِظَةَ» وما انْتَهَتْ إِلى هذهِ الْغَايَةِ، حتَّى نَفَذَتْ (دَخَلَتْ) أَشِعَّةُ الشَّمْسِ مِنْ نافذةِ الْبَيْتِ —وَكانتْ مفْتُوحةً حِينَئذٍ —فَطَرَقَ سَمْعَها أصْواتُ الْأَطْفالِ في الْخارِج، وَهُمْ يَمْرَحُونَ وَيَلْعَبُون. ولَعَلَّها سَمِعَتْ صَوْتَ «لافِظٍ» وَهوَ يَتَحَدَّثُ إِلَيْهِمْ في فَرَحٍ وَاغْتِباطٍ.

وَقَدْ كانتْ جَديرَةً أَنْ تَنْتَهِزَ هذهِ الْفُرْصَةَ الْجَمِيلَةَ، فَتَعْدِلَ عَنْ فِكْرَتِها الطَّائِشَةِ (الَّتي لا صَوابَ فيها) وَتَخْرُجَ لِتَلْعَبَ مَعَ أَصْحابِها وَأتْرابِها (مِنْ يُشْبهونَها في عُمْرِها) مِنَ الْأطْفالِ الْعُقَلاءِ، في ذلكَ الْيَوْمِ الْجَميلِ الصَّحْوِ. وَلكنها —لِسُوءِ الْحَظِّ —لَمْ تَفْعَلْ، وأَبتْ إِلَّا أَنْ تُتِمَّ ما اعْتَزَمَتْهُ.

 وَلاحَتْ مِنها الْتِفاتَةٌ، فَرَأَتْ رَأْسًا مُتَوَّجًا بِالْأزْهارِ والرَّياحِينِ —هُوَ رَأْسُ أَحَدِ النُّقُوشِ الَّتي نُقِشَتْ على الصُّنْدُوقِ —فَخُيِّلَ إِلَيْها أَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْها مُبْتَسِمًا، فَقالتْ في نَفْسِها: «يَظْهَرُ لي أَنَّ هذهِ الابْتِسامَةَ الْخَبِيثةَ إِنَّما تَعْنيِ السُّخْرِيَةَ (الِاسْتِهْزاءَ) بي فَلأكُفَّ عَنْ هذهِ الْمُجازَفةِ (فَلأَمْتَنِعْ عَنِ التَّدَخلِ في هذا الأمْرِ الْخَطِرِ). ثُمَّ حاوَلتْ أَنْ تَرْبِطَ الْأُنْشُوطَةَ (الْعُقدَةَ) كما كانَتْ، فَلَمْ تُوَفَّقْ إِلى ذلِكَ، وَضاعَ تَعَبُها سُدًى (منْ غَيْرِ فائِدَةٍ).

وَحاولتْ أَنْ تَذْكُرَ أُنْشُوطَةَ الْحَبْلِ الذَّهَبِيِّ، وكَيْفَ كانَ شَكلُها لِتُعِيدَها —كَما كانتْ —فَلَمْ تُفْلِحْ. واعْتَزَمَتْ أَنْ تَتْرُكَ الصُّنْدُوقَ، ثُمَّ خَشِيَتْ أَنْ يَعُودَ «لافِظٌ» فَيَتَّهمهَا بِأَنَّها خَالَفتِ النَّصِيْحَةَ، وَحَاوَلتْ أَنْ تَفْتَحَ الصُّنْدُوقَ، ثُمَّ عَدَلَتْ عَنْ فِكْرَتَها بَعْدَ أَنْ عَجَزَتْ عَنْ فَتْحِهِ. ثُمَّ عَرَفتْ أنَّها —إذا تَرَكَتْهُ، أوْ وُفِّقتْ إِلى فَتْحِهِ سِرًّا —فهِيَ عَلَى الْحالَيْن قَدْ خانتِ الْأَمانةَ، وَخالَفتِ النُّصْحَ وَأَتتْ أَمْرًا لا يَجُوز.

 (١٢) هَدِيةٌ
 «لافِظٍ» وَلَمَّا رَأَتْ نَفْسَها مُتَّهَمَةً —عَلَى الحالَيْنِ —صَمَّمَتْ وَمَضَتْ في تَنْفِيذِ رَغْبَتِها وَإِرْضاءِ فُضُولِها. فَيا لَهذهِ الطِّفْلَةِ الطَّائِشَةِ الْحَمْقاءِ! لَقَدْ كانَ عَلَيْها أَنْ تَسْتَمعَ إلى النُّصْحِ، وَلا تُخالِفَ قَوْلَ «لافِظٍ».

 وَإِنَّها لَكَذَلِك، إِذْ سَمِعَتْ صَوْتًا خافِتًا، يَهْمِسُ قائِلًا: «افْتَحِي لنا —يا «لاحِظَةُ» —فَإِنَّنا رِفَاقُكِ الْأَخْيارُ (أَهْلُ الْخَيْرِ الَّذِين يُصاحِبُونَكِ)، وَمَتَى رَأَيْتِنا مَلَأْنا بَيْتَكِ أُنْسًا وَحُبُورًا (فَرَحًا)، وَاشْتَرَكْنا مَعَكِ في لُعَبِكِ السَّارَّةِ الْبَهِيجَةِ.» فَقالَت «لاحِظَةُ» فِي نَفْسِها: «أَيَّ هَمْسٍ أَسْمَعُ يا تُرَى؟ أَيُمْكنُ أَنْ يَكُوْنَ في هذا الصُّنْدُوقِ كائِنٌ حَيٌّ يَتَكَلَّمُ؟ لا بُدَّ مِنْ كَشْفِ السِّرِّ.

وَماذا عَلَيَّ إِذا رَفَعْتُ غِطَاءَ الصُّنْدُوقِ وَأَلْقَيْتُ عَلَى ما فِيهِ نَظْرَةً واحِدةً سَرِيعَةً، ثُمَّ أغْلَقْتُهُ في الْحالِ، دُون أن يَعْلَمَ أَحدٌ بِما فَعَلتُ؟» أَمَّا «لافِظ» فَقَدْ شَعَرَ بِحُزْنٍ في خِتَامِ هذا الْيَوْمِ، بَعْدَ أَنْ ضَحِكَ مَعَ الْأطْفالِ ما شاءَ أَنْ يَضْحكَ. وَقدْ فاجأَهُ الْحُزْنُ، فَلَمْ يَدْرِ لَهُ سَبَبًا.

وَقَدْ حدَّثْتُكَ —أَيُّها الطِّفْلُ الْعَزِيزُ —أَنَّ الْأطْفالَ فِي ذلكَ الزَّمَنِ كانُوا سُعداءَ، لا يَحْزَنُونَ وَلا يَتَأَلَّمُونَ، وَلكنَّ «لافِظًا» شعَرَ بِالْحُزْنِ والْأَلَمِ لِلْمَرَّةِ الْأُولَى في حَياتِهِ، وَلَمْ يَظْفَرْ في ذلكَ الْيَوْمِ بِمِثْلِ ما كانَ يَظْفَرُ بِهِ منَ الْعِنَبِ الشَّهِيِّ السَّائغِ (الْمَحْبُوبِ)، والتِّينِ النَّاضِجِ اللَّذيذِ.

وَلَمْ يَدْرِ أَحَدٌ مِنْ رِفاقِهِ سَبَبَ أَحْزانِهِ، كما أَنَّهُ لَمْ يَدْرِ كَذلكَ سَبَبَ الِانْقِباضِ الَّذِي أَلَمَّ بِهِ. ثُمَّ سَئِمَ (كَرِه) اللَّعِبَ، فَعادَ أَدْراجَهُ (رَجَعَ في طرِيقِهِ الذِي جاء مِنْهُ) حَتى وَصَلَ إلى الْبَيْتِ، لِيَشْرَكَ «لاحِظةَ» في لَعِبِها، وَيُدْخِلَ السُّرُورَ عَلَى قَلْبِها، وَقَطَفَ لَها طاقةً (صُحْبَةً) مِنَ الْأزْهارِ لِيُهْدِيَها إِلَيْها، وَيَصْنَعَ لَها مِنْها إكْليلًا يَضَعُهُ عَلَى رأْسِها. وَقَدْ نَسَّقَ (نَظَّمَ) لَها تِلكَ الطَّاقةَ مِنْ مُخْتَلِفِ الْأَزْهارِ الْجَمِيلَةِ، وَأَلَّفَها مِنَ الوَرْدِ والزَّنْبَقِ وَزَهْرِ البُرْتُقالِ، وَما إِلى ذلكَ مِنَ الوُرُودِ العَطِرَةِ.

(١٣) مَقْدمُ
 «لافِظٍ» وَإِنَّهُ لعائِدٌ —في طَرِيقِهِ إلى البَيْتِ —إِذْ تَلَبَّدَتِ السَّماءُ بالغُيُومِ حتَّى كادَتْ تَحْجُبُ الشَّمْسَ. وَلَمْ يَكَدْ يَصِلُ إلى بَيْتِهِ، حَتَّى تَكاثَفَتِ السُّحُبُ، وَتَرَاكَمَ (تَكاثَرَ) الغَيْمُ، فَاحْتَجَبَ الضَّوْءُ (اسْتَتَرَ النُّورُ)، وَسادَ الظَّلَامُ فَجْأَةً، فَامْتَلأَ الجَوُّ حُزْنًا وَانقِباضًا وَوَحْشَةً.

ثُمَّ دَخَلَ «لافِظٌ» الْبَيْتَ وَأَقْفَلَ البابَ —بِخِفَّةٍ —لِيُفاجِئَ «لاحِظَةَ» مُفاجَأَةً سارَّةً، وَيَضَعَ تاجَ الْأَزْهارِ عَلَى رَأْسِها —خُلْسَةً (فِي خُفْيَةٍ) —دُونَ أَنْ تَفْطُنَ لِمَقْدَمِهِ (مِنْ غَيْرِ أَنْ تَنْتَبِهَ لِحُضُورِهِ) وَلكِنَّهُ لَمْ يكَدْ يَدْخُلُ، حَتَّى أَبْصَرَ تِلْكَ الصَّبِيَّةَ الطَّائِشَةَ: واضِعَةً يَدَهَا عَلَى غِطاءِ الصُّنْدُوقِ، وَهِيَ تَهُمُّ بِفَتْحِهِ. وَقَدْ كانَ واجِبُهُ يَحْتِمُ (يُوجِبُ) عَلَيْهِ —فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ —أَنْ يَصِيحَ بِها مُحَذِّرًا، حَتَّى لا تُقْدِمَ عَلَى تلكَ الفَعْلَةِ النَّكراءِ (القَبِيحَةِ).

 وَلوْ أَنَّهُ فَعَلَ ذلكَ لِحال (لَحَجَزَ) بَيْنَها وَبَيْنَ وُقُوعِ الكارِثَةِ (حُدُوثِ المُصِيبَةِ)، وَلكنَّهُ —لِسُوءِ الحَظِّ —كانَ مُمْتَلِئًا رَغْبَةً فِي تَعَرُّفِ ما فِي الصُّنْدُوقِ، فَلَمْ يُحَذِّرْ صَدِيقَتَهُ الطَّائِشَةَ مِنْ فَتْحِهِ، وَصَبَرَ عَلَيْها، حَتَّى تُتِمَّ عَمَلَها، ثمَّ يُقاسِمَها ما فِي الصُّنْدُوقِ مِنْ نَفائِسَ (أشْياءَ ثَمِينَةٍ غالِيَةٍ).

 (١٤) فَتْحُ الصُّنْدُوقِ
 لَقَدْ كانَ «لافِظٌ» —قُبَيْلَ هذِهِ اللَّحْظَةِ —مِثالًا لِلأمانَةِ وَالتَّعقُّلِ وَالثَّباتِ. أمَّا الآنَ فَقَدْ أَصْبَحَ —عَلَى العَكْسِ مِنْ ذلكَ —مِثالًا لِلخَبَلِ (ضَعْفِ العَقلِ) وَالفُضُولِ وَالتَّسَرُّعِ. فَقَدِ ارْتَضَى لِنَفْسِهِ أَنْ يُقِرَّ صاحِبَتَهُ «لاحِظَة» (يُوافِقَها) عَلَى فَعْلَتِها النَّكراءِ، ومَنْ أَقَرّ مُذنِبًا عَلَى ذَنبِهِ، أوْ أعانَ آثِمًا عَلَى إثمهِ (نَصَرَ مُجْرِمًا وساعَدَهُ فِي جُرْمِهِ)، أو شَجَّعَ مُخْطِئًا عَلَى خَطئِهِ، فَهُوَ شَرِيكُهُ فِي الإثمِ والعِقابِ جَمِيعًا.

 فَلا تَعْجَبْ —أيُّها الطِّفلُ العزِيزُ —إذا ساوَيْنا بَيْنَ «لافِظٍ» وَ« لاحِظَةَ» فِي التَّثرِيبِ (فِي اللَّوْمِ والمُؤَاخَذةِ)، وجَعَلناهُما شَرِيكَيْنِ فِي تِلكَ الجَرِيِمَةِ الَّتِي اقتَرفاها (ارْتكَباها) مَعًا. 

Aucun commentaire